المعلمة..

1 أبريل 2009

حين وقفت المعلمة أمام الصف الخامس في أول يوم تستأنف فيه الدراسة، وألقت على مسامع التلاميذ جملة لطيفة تجاملهم بها،

نظرت لتلاميذها وقالت لهم: إنني أحبكم جميعاً، هكذا كما يفعل جميع المعلمين والمعلمات،

ولكنها كانت تستثني في نفسها تلميذاً يجلس في الصف الأمامي، يدعى تيدي ستودارد.


لقد راقبت السيدة تومسون الطفل تيدي خلال العام السابق،

ولاحظت أنه لا يلعب مع بقية الأطفال، وأن ملابسه دائماً متسخة، وأنه دائماً يحتاج إلى حمام،

بالإضافة إلى أنه يبدو شخصاً غير مبهج، وقد بلغ الأمر أن السيدة تومسون

كانت تجد متعة في تصحيح أوراقه بقلم أحمر عريض الخط، وتضع عليها علامات x بخط عريض،

وبعد ذلك تكتب عبارة “راسب” في أعلى تلك الأوراق.

وفي المدرسة التي كانت تعمل فيها السيدة تومسون، كان يطلب منها مراجعة السجلات الدراسية السابقة لكل تلميذ،

فكانت تضع سجل الدرجات الخاص بتيدي في النهاية. وبينما كانت تراجع ملفه فوجئت بشيء ما!!

لقد كتب معلم تيدي في الصف الأول الابتدائي ما يلي: “تيدي طفل ذكي ويتمتع بروح مرحة.

إنه يؤدي عمله بعناية واهتمام، وبطريقة منظمة، كما أنه يتمتع بدماثة الأخلاق”.

وكتب عنه معلمه في الصف الثاني: “تيدي تلميذ نجيب، ومحبوب لدى زملائه في الصف،

ولكنه منزعج وقلق بسبب إصابة والدته بمرض عضال، مما جعل الحياة في المنزل تسودها المعاناة والمشقة والتعب”.

أما معلمه في الصف الثالث فقد كتب عنه: “لقد كان لوفاة أمه وقع صعب عليه..

لقد حاول الاجتهاد، وبذل أقصى ما يملك من جهود، ولكن والده لم يكن مهتماً،

وإن الحياة في منزله سرعان ما ستؤثر عليه إن لم تتخذ بعض الإجراءات”.

بينما كتب عنه معلمه في الصف الرابع: “تيدي تلميذ منطو على نفسه، ولا يبدي الكثير من الرغبة في الدراسة،

وليس لديه الكثير من الأصدقاء، وفي بعض الأحيان ينام أثناء الدرس”.

وهنا أدركت السيدة تومسون المشكلة، فشعرت بالخجل والاستحياء من نفسها على ما بدر منها،

وقد تأزم موقفها إلى الأسوأ عندما أحضر لها تلاميذها هدايا عيد الميلاد ملفوفة في أشرطة جميلة وورق براق، ما عدا تيدي.

فقد كانت الهدية التي تقدم بها لها في ذلك اليوم ملفوفة بسماجة وعدم انتظام، في ورق داكن اللون،

مأخوذ من كيس من الأكياس التي توضع فيها الأغراض من بقالة، وقد تألمت السيدة تومسون وهي تفتح هدية تيدي،

وانفجر بعض التلاميذ بالضحك عندما وجدت فيها عقداً مؤلفاً من ماسات مزيفة ناقصة الأحجار،

وقارورة عطر ليس فيها إلا الربع فقط.. ولكن سرعان ما كف أولئك التلاميذ عن الضحك عندما عبَّرت السيدة تومسون

عن إعجابها الشديد بجمال ذلك العقد ثم لبسته على عنقها ووضعت قطرات من العطر على معصمها.

ولم يذهب تيدي بعد الدراسة إلى منزله في ذلك اليوم. بل انتظر قليلاً من الوقت ليقابل السيدة تومسون

ويقول لها: إن رائحتك اليوم مثل رائحة والدتي! !

وعندما غادر التلاميذ المدرسة، انفجرت السيدة تومسون في البكاء لمدة ساعة على الأقل،

لأن تيدي أحضر لها زجاجة العطر التي كانت والدته تستعملها، ووجد في معلمته رائحة أمه الراحلة!،

ومنذ ذلك اليوم توقفت عن تدريس القراءة، والكتابة، والحساب، وبدأت بتدريس الأطفال المواد كافة “معلمة فصل”،

وقد أولت السيدة تومسون اهتماماً خاصاً لتيدي، وحينما بدأت التركيز عليه بدأ عقله يستعيد نشاطه،

وكلما شجعته كانت استجابته أسرع، وبنهاية السنة الدراسية، أصبح تيدي من أكثر التلاميذ تميزاً في الفصل،

وأبرزهم ذكاء، وأصبح أحد التلايمذ المدللين عندها.

وبعد مضي عام وجدت السيدة تومسون مذكرة عند بابها للتلميذ تيدي، يقول لها فيها: “إنها أفضل معلمة قابلها في حياته”.

مضت ست سنوات دون أن تتلقى أي مذكرة أخرى منه. ثم بعد ذلك كتب لها أنه أكمل المرحلة الثانوية،

وأحرز المرتبة الثالثة في فصله، وأنها حتى الآن مازالت تحتل مكانة أفضل معلمة قابلها طيلة حياته.

وبعد انقضاء أربع سنوات على ذلك، تلقت خطاباً آخر منه يقول لها فيه: “إن الأشياء أصبحت صعبة،

وإنه مقيم في الكلية لا يبرحها، وإنه سوف يتخرج قريباً من الجامعة بدرجة الشرف الأولى،

وأكد لها كذلك في هذه الرسالة أنها أفضل وأحب معلمة عنده حتى الآن”.

وبعد أربع سنوات أخرى، تلقت خطاباً آخر منه، وفي هذه المرة أوضح لها أنه بعد أن حصل على درجة البكالوريوس،

قرر أن يتقدم قليلاً في الدراسة، وأكد لها مرة أخرى أنها أفضل وأحب معلمة قابلته طوال حياته،

ولكن هذه المرة كان اسمه طويلاً بعض الشيء، دكتور ثيودور إف. ستودارد!!

لم تتوقف القصة عند هذا الحد، لقد جاءها خطاب آخر منه في ذلك الربيع،

يقول فيه: “إنه قابل فتاة، وأنه سوف يتزوجها، وكما سبق أن أخبرها بأن والده قد توفي قبل عامين،

وطلب منها أن تأتي لتجلس مكان والدته في حفل زواجه، وقد وافقت السيدة تومسون على ذلك”،

والعجيب في الأمر أنها كانت ترتدي العقد نفسه الذي أهداه لها في عيد الميلاد منذ سنوات طويلة مضت،

والذي كانت إحدى أحجاره ناقصة، والأكثر من ذلك أنه تأكد من تعطّرها بالعطر نفسه الذي ذَكّرهُ بأمه في آخر عيد ميلاد!!

واحتضن كل منهما الآخر، وهمس (دكتور ستودارد) في أذن السيدة تومسون قائلاً لها، أشكرك على ثقتك فيّ،

وأشكرك أجزل الشكر على أن جعلتيني أشعر بأنني مهم، وأنني يمكن أن أكون مبرزاً ومتميزاً.

فردت عليه السيدة تومسون والدموع تملأ عينيها: أنت مخطئ، لقد كنت أنت من علمني كيف أكون معلمة مبرزة ومتميزة،

لم أكن أعرف كيف أعلِّم، حتى قابلتك.

(تيدي ستودارد هو الطبيب الشهير الذي لديه جناح باسم مركز “ستودارد” لعلاج السرطان في مستشفى ميثوددست في ديس مونتيس ولاية أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، ويعد من أفضل مراكز العلاج ليس في الولاية نفسها وإنما على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية).

إن الحياة ملأى بالقصص والأحداث التي إن تأملنا فيها أفادتنا حكمة واعتباراً.

والعاقل لا ينخدع بالقشور عن اللباب، ولا بالمظهر عن المخبر، ولا بالشكل عن المضمون.

يجب ألا تتسرع في إصدار الأحكام، وأن تسبر غور ما ترى، خاصة إذا كان الذي أمامك نفساً إنسانية بعيدة الأغوار،

موّارة بالعواطف، والمشاعر، والأحاسيس، والأهواء، والأفكار.

أرجو أن تكون هذه القصة موقظة لمن يقرؤها من الآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات، والأصدقاء والصديقات.


خلاصة التعليقات  التعليقات ( 21 )

  1. أقلام Windows XP Mozilla Firefox 3.0.3   

    هكذا هي الحياة، الكل فيها يقوم بدور المعلم، أحيانا بعلمه وأحيانا بدون علمه، تقابلنا في الحياة مواقف كثيرة مع أشخاص قد لا يكونون ذوي شأن في هذه الحياة، لكن لو تأملنا قليلا لوجدناهم مدرسة لم تحص وزارات التربية والتعليم عدد تلامذتها..

    شكرا لك على الموضوع القيم أختي، ونحسبك كذلك من المعلمات اللواتي يبرزن المواهب والقدرات لدى تلاميذهن.

  2. umm_al7elwat UNITED ARAB EMIRATES Windows Vista Internet Explorer 7.0   

    سبحان الله لكل انسان موهبه اهداه الله سبحانه وتعالى اياه وكل منا على حسب قدراته استطاع ان ينمي قدرته ولكن يبقى البعض من الناس الذين لا يستطيعون ان يبرزوا مواهبهم الا بمسانده اشخاص مهمين في حياتهم..
    ويبقى هنا السؤال كيف نستطيع ان نكشف هذه القدرات في الانسان؟؟
    وكيف نستطيع ان ننميها؟؟
    جزيت خيرا على هذه القصه الجميله
    ودائما انتي مبدعه كما عرفناك
    “ونبقى مع الذكرى”

  3. احمد SAUDI ARABIA Windows XP Internet Explorer 6.0   

    السلا م عليكم قصه رائعه قراتها مرتين وكل مره اقراها تذرف دموعي لسبب لا اعرفه .
    الشكر كل الشكر لك .

  4. عبد الله BAHRAIN Windows Vista Internet Explorer 7.0   

    قصه جميله تثير التساؤل عن عدد الناس الذين يتم قتل طموحهم ووأد مواهبهم في مجتمعاتنا بسبب
    عدم كفاءة المدرسين أو عدم اهتمامهم بالجانب النفسي لدى الأطفال.

  5. بلا حدود SAUDI ARABIA Windows XP Mozilla Firefox 3.0.8   

    قصة تنكأ الجرح ولكن تعلي الهموم وترقيها
    ومما تعلمته أنك لا تقيم الواحد على مظهره الخارجي ولكن قيّمه من الداخل

    لأن الحياة علمتنا أن الحياة أسرار,وما أدراك إن كنت أنت الإستاذة إجعل الجميع تيدي
    لتكن علاقتك مع الجميع جيدة فما تدري لو أنك أحسنت الظن بأحدهم ولم تقيمة من الداخل فيصبح من أفضل أصدقائك وتظل صداقتكم سنين وسنين حافلة بالنجاحات :)

    موضوع جدا جميل شكرا لك يا عابرة سبيل :D

  6. انتفاضة قلم SAUDI ARABIA Windows XP Mozilla Firefox 3.0.8   

    فجأة وانا اقرأ لم اشعر الا وعيني كادت ان تذرفان دمعها
    قصة محزنة في بدايتها لكنها مفرحة في نهايتها
    وبها درووس وفووائد عظيمة خاصة للمربين
    واعجبتني طريقة السجلات الدراسية
    تحياتي لك

  7. خالد ميمون مدونة البريد اليومي ALGERIA Windows XP Mozilla Firefox 3.0.8   

    القصة رائعة جدا هي ببساطة تنحي جانبا كل المظاهر والشكليات وتأخذنا في رحلة لمحاولة فهم الآخر ذلك الانسان …فهم سلوكه وخلفياته ومحاولة المساعدة وتبادل المنفعة المعنوية التي يمكن أن نفقدها بأي لحظة
    بارك الله فيك

  8. ابو مروان Windows XP Mozilla Firefox 3.0.8   

    ما شاء الله قصة رائعة

  9. علي UNITED ARAB EMIRATES Windows XP Internet Explorer 7.0   

    قصة هادفة
    (الراضه من الرحمن والسرعة من الشيطان) مثل محلي بحت
    وشكراا

  10. وهج المشاعر UNITED ARAB EMIRATES Windows Vista Mozilla Firefox 3.0.8   

    شيء جداً رائع أن تكون لنا بصمة خالدة على مر السنين..

    و أن نكون سبباً وراء أمر عظيم يخدم المجتمع..

    من يدري.ربما أعمالنا البسيطة تكون نتائجها عظيمة..

    قصة جداً رائعة..

    أستطيع أن أقول أنها من أجمل ما قرأت..

    شكرا جزيلا.. :)

  11. عابرة سبيل UNITED ARAB EMIRATES Windows XP Mozilla Firefox 3.0.8   

    شكرا لـ تواجدكم :)

  12. شيء من جنون - أحمد العلولا SAUDI ARABIA Windows Vista Mozilla Firefox 3.0.8   

    ..

    كم دهشت وانا أتأمل هذه القصة :)

    رائعة… رائعة بحق !

    و (ياليت قومي يعلمون)..

    اوه عفواً…!

    يا ليت قومي…(يعملون) :(

    ..

  13. نوفه SAUDI ARABIA Windows Vista Internet Explorer 7.0   

    قصه في قمة الروعه ذكرتني بان لا احكم على الآخرين من المظهر

    مع اني حقاً لا أحب ان احكم على الآخرين من المظهر فأنا مؤمنة كل انسان

    في داخله بذرة خير حتى الشخص المنحرف لا أبتعد عنه كما يفعل الآخرين بل أدرس شخصيته

    و أرى دوافعه التي جعلته ينحرف و أحدثه بكل صراحة و غالباً ما أرى ألمهم و قشورهم و أقنعتهم تتساقط أمامي

    لا تحكموا على المظهر فليس كل انسان فاسد خلق هكذا بل هناك ما دفعه و عليك أنت الأخذ بيده

    فما جعله هكذا هو نحن ..

    قصة حقاً جمية لامست شيئاً في قلبي :)

  14. Naryat JORDAN Windows XP Internet Explorer 7.0   

    Well, This is one of the most touching and amazing stories I have ever read! I read it before, but no matter how much i did, each time I read it I feel the same amazement…

  15. فهد بدر SAUDI ARABIA Windows XP Mozilla Firefox 3.0.8   

    يقال بان هذه القصه قصة خياليه

    لكن بصراحه اعتقد بان احداثها ليست مستحيله ابداً

  16. عابرة سبيل UNITED ARAB EMIRATES Windows XP Mozilla Firefox 3.0.4   

    لا أعلم مدى مصداقيتها ،،
    لكن عملت بحث ولم أجد غير تفاصيلها ..
    ع كل حال فـ كما قلت أنت
    احداثها ليست مستحيلة أبدا
    مرحبا بك

  17. ام رغد Mac OS X Safari 525.27.1   

    أحداث القصة تثير المدامع…وتحصل كثيراً ليست في مجال التعليم فقط بل في تجارب الحياة كلها…
    طرح موفق عابرة..

  18. مجروح PALESTINIAN TERRITORY, OCCUPIED Windows XP Internet Explorer 7.0   

    قصة رائعة ومعبرة
    ومدونتك جميلة جدا
    اسجل اعجابي واحترامي لها
    اسلوبك مميز ويدل على اطلاع وثقافة واسعين

    يشرفني لو تبدين رأيك في مدونتي

    دمتٍ لنا

  19. عابرة سبيل UNITED ARAB EMIRATES Windows XP Mozilla Firefox 3.0.8   

    أم رغد ،،
    حياك الله

    مجروح ،،
    شكرا ع الإطراء

  20. محمود يونس Windows XP Google Chrome 1.0.154.53   

    موضوع اكثر من رائع ومدونه فوق الوصف
    جميله انتى يا عابره سبيل مثل مواضيعك شكرا لكى

  21. شات خليجي SAUDI ARABIA Windows XP Internet Explorer 7.0   

    قصة رائعه اختي
    تسلمين يارب .. :)