الفارغون أكثر ضجيجاً
21 يناير 2010إذا مرَّ القطار وسمعت جلبة لإحدى عرباته فاعلم أنها فارغة، وإذا سمعت تاجراً يحرّج على بضاعته وينادي عليها فاعلم أنها كاسدة، فكل فارغ من البشر والأشياء له جلبة وصوت وصراخ، أما العاملون المثابرون فهم في سكون ووقار؛ لأنهم مشغولون ببناء صروح المجد وإقامة هياكل النجاح،إن سنبلة القمح الممتلئة خاشعة ساكنة ثقيلة، أما الفارغة فإنها في مهب الريح لخفتها وطيشها، وفي الناس أناس فارغون مفلسون أصفار رسبوا في مدرسة الحياة، وأخفقوا في حقول المعرفة والإبداع والإنتاج فاشتغلوا بتشويه أعمال الناجحين، فهم كالطفل الأرعن الذي أتى إلى لوحة رسّام هائمة بالحسن، ناطقة بالجمال فشطب محاسنها وأذهب روعتها، وهؤلاء الأغبياء الكسالى التافهون مشاريعهم كلام، وحججهم صراخ، وأدلتهم هذيان لا تستطيع أن تطلق على أحدهم لقباً مميّزاً ولا وصفاً جميلاً، فليس بأديب ولا خطيب ولا كاتب ولا مهندس ولا تاجر ولا يُذكر مع الموظفين الرواد، ولا مع العلماء الأفذاذ، ولا مع الصالحين الأبرار، ولا مع الكرماء الأجواد، بل هو صفر على يسار الرقم، يعيش بلا هدف، ويمضي بلا تخطيط، ويسير بلا همة، ليس له أعمال تُنقد، فهو جالس على الأرض والجالس على الأرض لا يسقط، لا يُمدح بشيء، لأنه خال من الفضائل، ولا يُسب لأنه ليس له حسّاد،
وفي كتب الأدب أن شاباً خاملاً فاشلاً قال لأبيه: يا أبي أنا لا يمدحني أحد ولا يسبني أحد مثل فلان فما السبب؟ فقال أبوه: لأنك ثور في مسلاخ إنسان، إن الفارغ البليد يجد لذة في تحطيم أعمال الناس ويحس بمتعة في تمريغ كرامة الرّواد، لأنه عجز عن مجاراتهم ففرح بتهميش إبداعهم، ولهذا تجد العامل المثابر النشيط منغمساً في إتقان عمله وتجويد إنتاجه ليس عنده وقت لتشريح جثث الآخرين ولا بعثرة قبورهم، فهو منهمك في بناء مجده ونسج ثياب فضله، إن النخلة باسقة الطول دائمة الخضرة حلوة الطلع كثيرة المنافع، ولهذا إذا رماها سفيه بحجر عادت عليه تمراً، أما الحنظلة فإنها عقيمة الثمر، مشؤومة الطلع، مرة الطعم، لا منظر بهيجاً ولا ثمر نضيجاً،
إن السيف يقص العظام وهو صامت، والطبل يملأ الفضاء وهو أجوف، إن علينا أن نصلح أنفسنا ونتقن أعمالنا، وليس علينا حساب الناس والرقابة على أفكارهم والحكم على ضمائرهم، الله يحاسبهم والله وحده يعلم سرّهم وعلانيتهم، ولو كنا راشدين بدرجة كافية لما أصبح عندنا فراغ في الوقت نذهبه في كسر عظام الناس ونشر غسيلهم وتمزيق أكفانهم، التافهون وحدهم هم المنشغلون بالناس كالذباب يبحث عن الجرح، أما الخيّرون فأعمالهم الجليلة أشغلتهم عن توافه الأمور كالنحل مشغول برحيق الزهر يحوّله عسلاً فيه شفاء للناس، إن الخيول المضمرة عند السباق لا تنصت لأصوات الجمهور، لأنها لو فعلت ذلك لفشلت في سباقها وخسرت فوزها، اعمل واجتهد وأتقن ولا تصغ لمثبّط أو حاسد أو فارغ.
مقالة للدكتور عائض القرني



21 يناير 2010
كما يوجد صنف (المنشغلون بالناس ) يقابلهم صنف ( المنشغلون بالله )
الذين يتعاملون مع الصنف الأول بمبدأ ( من عصى الله فينا اطعنا الله فيه )
21 يناير 2010
ما أجمل هذا المقال , شكرا عابرة : )
22 يناير 2010
صدقت أختي الكريمة , تدوينة أكثر من راائعة , لا أدري و صراحة يعجز الكلام عن تعبير إبداعك فيها , بالفعل ما أكثر هؤلاء الأُناس هنا في هذه الدنيا , أبعدهم الله عنا و وفقنا لكي لانكون منهم .
25 يناير 2010
مقالة رائعة وفعلا الناجح
مشغول باهتماماته وعمله
لا يجد وقتا لتتبع عثرات الآخرين
ورصدها ونقدها أما الفارغ فقد
كرس جهده لأجل هذه الأمور
حفظك الله ويسر لك
4 فبراير 2010
مقالة رائعة جداً .. وصائبة ..
السنبلة الممتلئة هي الساكنة المنحنية بصمت !
بوركتِ عزيزتي عابرة ..
مدوتكِ تفوق الروعة ..
دمتِ بخير
8 فبراير 2010
السلام عليكم،
اشتقت لك يا عابرة .. علنا نلتقي قريباً
الظواهر الصوتية في هذه الايام هي من يلقى لها ألف حساب ..
وأصبح الفارغون .. أكثر من يشغل الناس بأنفسهم
وأكثر من ينشغل الناس بهم
الله المستعان
10 فبراير 2010
يالله كم اشتاق الى هذه المدونه (حتى وانا بعملي)
من لم يشتغل بتهذيب نفسه أنشغل بتتبع عثرات الناس.
حماك الله
13 فبراير 2010
شكرا لـ الجميع تواجدهم ومتابعتهم
شذى ..
الله يجمع كل النفوس الطيبة
نوايا خير ..
شكرا للمتابعة والاهتمام..
تحياتي
20 فبراير 2010
nice